ابن أبي الحديد
176
شرح نهج البلاغة
فكتب إليه عمر بالقدوم عليه هو وعماله ، وأن يستخلفوا جميعا . فلما قدمنا المدينة اتيت يرفأ حاجب عمر ، فقلت : يا يرفأ ، مسترشد وابن سبيل ! أي الهيئات أحب إلى أمير المؤمنين أن يرى فيها عماله ؟ فأومأ إلى بالخشونة ، فاتخذت خفين مطارقين ( 1 ) ، ولبست جبة صوف ، ولثت عمامتي على رأسي ، ثم دخلنا على عمر فصفنا بين يديه ، فصعد بصره فينا وصوب ، فلم فلم تأخذ أحدا غيري ، فدعاني ، فقال : من أنت ؟ قلت : الربيع بن زياد الحارثي ، قال : وما تتولى من أعمالنا ؟ قلت : البحرين ، قال : كم ترزق ؟ قلت ألفا ، قال : كثير ، فما تصنع به ؟ قلت : أتقوت منه شيئا ، وأعود بباقيه على أقارب لي ، فما فضل منهم فعلى فقراء المسلمين ، قال : لا بأس ، ارجع إلى موضعك ، فرجعت إلى موضعي من الصف ، فصعد فينا وصوب ، فلم تقع عينه إلا على فدعاني ، فقال : كم سنك ؟ قلت : خمس وأربعون ، فقال : الآن حيث استحكمت ! ثم دعا بالطعام ، وأصحابي حديث عهدهم بلين العيش ، وقد تجوعت له ، فأتى بخبز يابس وأكسار ( 2 ) بعير ، فجعل أصحابي يعافون ذلك ، وجعلت آكل فأجيد ، وأنا أنظر إليه ، وهو يلحظني من بينهم ، ثم سبقت منى كلمة تمنيت لها أنى سخت في الأرض ، فقلت : يا أمير المؤمنين ، إن الناس يحتاجون إلى صلاحك ، فلو عمدت إلى طعام ألين من هذا ! فزجرني ، ثم قال : كيف قلت ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، أن تنظر إلى قوتك من الطحين فيخبز قبل إرادتك إياه بيوم ، ويطبخ لك اللحم كذلك ، فتؤتى بالخبز لينا ، وباللحم غريضا . فسكن من غربه ، وقال : أهاهنا غرت ( 3 ) ! قلت : نعم ، فقال : يا ربيع ، إنا لو نشاء لملأنا هذه الرحاب من صلائق ( 4 ) وسبائك ( 5 ) وصناب ( 6 ) ، ولكني رأيت الله نعى على قوم شهواتهم ، فقال : ( أذهبتم طيباتكم
--> ( 1 ) ليست خفين مطارقين ، أي مطبقين ، واحدا فوق الآخر ، يقال : أطرق النعل وطارقها . ( 2 ) كسور الإبل ، أي أعضاؤها ، واحدها كسر ، بالفتح والكسر . ( 3 ) غرت : ذهبت ، وفى الأصول : " غرب " تحريف . ( 4 ) الصلائق : جمع صليقة ، وهي الخبزة الرقيقة والقطعة المشواة من اللحم . ( 5 ) السبائك : ما سبك من الدقيق ونخل فأخذ خالصه ، يعنى الحوارى ، وكانوا يسمون الرقاق السبائك . ( 6 ) الصناب : صباغ يؤتدم به .